خفايا المشهد الإقليمي: أبعاد الزيارة اللبنانية إلى باكستان وتحولات العقيدة الإيراني
تشهد منطقة الشرق الأوسط حراكاً دبلوماسياً وعسكرياً متسارعاً يثير الكثير من التساؤلات حول طبيعة التحالفات القائمة، والرسائل المبطنة التي تسعى الأطراف الإقليمية إلى إرسالها في ظرف بالغ التعقيد. وفي هذا السياق، تأتي الزيارة الرسمية التي قام بها قائد الجيش اللبناني، رودولف هيكل، إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد ولقاؤه بنظيره الباكستاني عاصم منير، لتفتح الباب أمام قراءة مغايرة للأحداث، خصوصاً في ظل حرص المراقبين على رصد مستجدات الأوضاع في آسيا التي باتت تتشابك ملفاتها الأمنية والسياسية بشكل وثيق مع ساحات المواجهة المشتعلة في الإقليم. هذه الزيارة التي ركزت بحسب البيانات الرسمية على تعزيز التعاون العسكري المشترك، تأتي في توقيت حساس تتقاطع فيه أدوار الوساطة السرية مع جبهات القتال المفتوحة.
مفارقات التعاون العسكري والوساطة الباكستانية
تضعنا هذه التحركات الأخيرة أمام مفارقة سياسية وعسكرية تستدعي القراءة المعمقة "بين السطور" لفهم ما يجري خلف الكواليس. فبينما تقود باكستان جهود وساطة معقدة بطلب دولي لتقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن وحليفتها إسرائيل بغية الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب، نجد في المقابل إبرام اتفاقات لتعزيز التعاون العسكري بين إسلام آباد وبيروت.
هذا التناقض الظاهري يطرح تساؤلاً جوهرياً حول أهداف هذا التنسيق العسكري؛ فالدولة اللبنانية بجيشها الرسمي تتبنى استراتيجية واضحة بعدم الانخراط المباشر في المواجهة العسكرية الحالية مع إسرائيل، والتي يقودها "حزب الله" بشكل منفرد بناءً على التوجيهات والدعم الإيراني الشامل. من هنا، يمكن تتبع الملاحظات التحليلية التالية لفهم طبيعة هذا الحراك الغريب:
- البحث عن مظلة بديلة: تسعى المؤسسة العسكرية اللبنانية الرسمية إلى بناء شراكات دفاعية مع قوى إقليمية كبرى مثل باكستان -التي تمتلك ثقلاً عسكرياً ونووياً- لضمان الحفاظ على كيان الدولة وتوازنها الداخلي مستقبلاً، بعيداً عن الاستقطاب المباشر للمحاور المتصارعة.
- ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب: قد لا يكون الهدف من التعاون العسكري اللبناني-الباكستاني مواجهة خصم خارجي حالي بقدر ما هو تحضير البنية التحتية للجيش اللبناني لتمكينه من السيطرة على كامل الأراضي اللبنانية في حال التوصل إلى تسوية دولية تفرض ترتيبات أمنية جديدة تنهي دور الفصائل المسلحة.
- رسائل الضغط الدبلوماسي: استخدام التنسيق العسكري كأداة سياسية لإظهار أن الساحة اللبنانية الرسمية ليست معزولة تماماً، وأن هناك عمقاً استراتيجياً يمكن التنسيق معه خارج الإطار التقليدي الذي تفرضه طهران على القرار اللبناني.
التحول الاستراتيجي في العقيدة الهجومية الإيرانية
على الجانب الآخر من المشهد، تبدو الحسابات الإيرانية مختلفة تماماً ومبنية على نهج هجومي جديد تبناه الحكام الجدد في طهران بعد التغيرات الجوهرية في هيكل القيادة عقب أحداث فبراير الماضي ومقتل جزء كبير من القادة السابقين وعلى رأسهم علي خامنئي. ولمن يتابع بشغف أبرز أخبار إيران، يتضح أن طهران قررت مغادرة مربع "الصبر الاستراتيجي" الذي اتسمت به سياستها طوال العقود الماضية، والانتقال إلى مرحلة الرد المباشر والقوي لتثبيت معادلات ردع جديدة تحمي نفوذها الإقليمي.
هذا التحول تجلى بوضوح في المواجهات التي اندلعت في الثاني من مارس الماضي، حيث اعتبرت القيادة الإيرانية الجديدة أن إظهار القوة والقدرة على التصعيد العسكري هو السبيل الوحيد للبقاء وحجز مقعد رئيسي في أي مفاوضات مستقبلية مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وتستند إيران في هذا التوجه إلى فرضية أن واشنطن، المثقلة بالتحديات الاقتصادية والتحضيرات لحدث رياضي عالمي مثل كأس العالم، لا تمتلك الرغبة في الدخول في حرب شاملة ومباشرة في المنطقة قبل انتخابات التجديد النصفي هذا الخريف.
مقارنة تحليلية بين محاور القوة والمواقف الإقليمية
لتبسيط وفهم تشابك المصالح والمسارات المتناقضة بين الأطراف المعنية في هذه الأزمة الإقليمية المستمرة، يمكن تلخيص المواقف والأدوار الحالية عبر الجدول التالي:
|
الطرف الإقليمي/الدولي |
الدور الحالي في المشهد |
الأهداف الاستراتيجية غير المعلنة |
|
باكستان |
وسيط بين واشنطن وطهران + حليف عسكري لبيروت |
تعزيز النفوذ الدبلوماسي في الشرق الأوسط وحماية مصالحها الإقليمية المتنامية. |
|
إيران |
تصعيد عسكري مباشر والتحكم بمسار الممرات المائية |
ربط أي تهدئة إقليمية بوقف الحرب في لبنان لمنع استفراد إسرائيل بحلفائها. |
|
الجيش اللبناني |
النأي بالنفس عن الصراع المباشر وتوقيع اتفاقات تعاون |
تقوية المؤسسة الرسمية تحسباً لفرض السيادة الكاملة بعد توقف الحرب الحالية. |
|
الولايات المتحدة |
مفاوضات نهائية ومرافقة السفن في مضيق هرمز |
تأمين الاقتصاد العالمي من صدمات النفط وتقليص أوراق الضغط الإيرانية بهدوء. |
|
إسرائيل |
عمليات عسكرية مركزة في الجنوب والضاحية |
الإصرار على فصل مسار غزة ولبنان عن أي اتفاق شامل يجري التفاوض عليه مع طهران. |
تثبت هذه المعطيات الرقمية والتحليلية أن المنطقة تعيش صراعاً معقداً على حافة الهاوية، حيث يحاول كل طرف تحسين شروط تفاوضه؛ فإيران ترى في السيطرة على المضائق وإلحاق الضرر الاقتصادي بخصومها أوراق قوة لا يمكن التنازل عنها، بينما ترى إسرائيل أن إضعاف قدرات "حزب الله" العسكرية يمثل هدفاً وجودياً لا تراجع عنه حتى لو تم توسيع الضربات لتشمل الضاحية الجنوبية لبيروت، وهو ما غير بالفعل الحسابات الإيرانية ودفعها لإطلاق الصواريخ الباليستية في السابع من يونيو الجاري كرد فعل مباشر لحماية نفوذها.
في النهاية
إن التناقض الصارخ بين لغة السلاح المشتعلة على الأرض ولغة الدبلوماسية والاتفاقات العسكرية المبرمة خلف الكواليس يعكس عمق الأزمة الشرق أوسطية وتعقيدها البالغ. فالجيوش الرسمية تبني تحالفاتها للمستقبل الغامض، بينما تخوض القوى غير النظامية حروب الحاضر بالوكالة، لتبقى السيناريوهات مفتوحة على كافة الاحتمالات رغم الحديث المتكرر عن بلوغ المفاوضات مراحلها النهائية.
برأيك، هل تنجح الوساطة الباكستانية في صياغة اتفاق يفصل بين جبهات القتال المتداخلة، أم أن العقيدة الهجومية الجديدة لطهران ستفرض مساراً واحداً يربط مصير المنطقة بأكملها؟









