الفجر الجديد
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 01:14 صـ 24 ربيع آخر 1448 هـ
الفجر الجديد

الاقتصاد

اقتصاد النصر.. كيف حوّلت مصر حرب أكتوبر إلى مكسب استراتيجي؟

لم تكن حرب أكتوبر 1973 مواجهة عسكرية فقط، وإنما كانت اختبارًا لقدرة الاقتصاد المصري على تحمل سنوات الاستنزاف وتمويل معركة التحرير، في مقابل فاتورة اقتصادية ثقيلة تحملها الاقتصاد الإسرائيلي خلال الحرب وما بعدها.
وبحسب تحليل للباحث الاقتصادي وخبير دراسات الجدوى أحمد الإمام، دخلت مصر حرب أكتوبر في ظل ضغوط اقتصادية كبيرة خلفتها حرب 1967، تمثلت في إغلاق قناة السويس، وتراجع السياحة، وخروج موارد سيناء النفطية عن السيطرة المصرية، إلى جانب ارتفاع الإنفاق الدفاعي، الذي وصل إلى نحو 20% من الناتج القومي عام 1973.
اقتصاد مصري تحت ضغط الحرب
اضطرت مصر خلال سنوات ما قبل أكتوبر إلى توجيه جزء كبير من مواردها لإعادة بناء القوات المسلحة، مع تحمل المجتمع ضغوطًا على الاستهلاك وتأجيل بعض المشروعات المدنية.
وفي عام 1973، ارتفع عرض النقود بنحو 22%، مقابل نمو حقيقي للناتج القومي بنحو 4%، ما خلق ضغوطًا تضخمية، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة الغذاء والواردات، التي بلغت نحو 600 مليون دولار، ومثلت قرابة 40% من إجمالي واردات السلع.
ورغم هذه الضغوط، لم تتعرض القاعدة الإنتاجية المدنية المصرية لدمار واسع خلال الحرب، بينما تركزت التأثيرات المباشرة في تباطؤ السياحة وحركة التجارة والشحن.
قناة السويس.. المكسب الاقتصادي الأهم
لم تحقق مصر عائدًا ماليًا مباشرًا من الحرب، لكن نتائجها العسكرية والسياسية غيرت المعادلة الاقتصادية على المدى الطويل، ومهدت الطريق لاستعادة الأرض وإعادة إعمار مدن القناة وإعادة فتح قناة السويس أمام الملاحة الدولية في يونيو 1975.
وأعادت القناة لمصر مصدرًا مهمًا للنقد الأجنبي وممرًا تجاريًا عالميًا، كما ساهم انتهاء حالة الاستنزاف في إتاحة المجال أمام توجيه الموارد نحو إعادة البناء والتنمية.
وتلقت مصر خلال الحرب وما بعدها دعمًا عربيًا في صورة منح ومساعدات اقتصادية، إلى جانب تدفقات لاحقة من الاستثمارات والتحويلات، ما ساعد على دعم الاقتصاد خلال مرحلة إعادة البناء.
نمو قوي بعد الحرب
شهد الاقتصاد المصري خلال النصف الثاني من السبعينيات ومطلع الثمانينيات نموًا قويًا، بلغ متوسطه نحو 8.4% سنويًا خلال الفترة من 1974/1975 إلى 1984/1985، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.
إلا أن هذا النمو لم يكن نتيجة الحرب وحدها، إذ تزامن مع طفرة أسعار النفط، وزيادة تحويلات العاملين بالخارج، وعودة قناة السويس والسياحة، إلى جانب المساعدات والاستثمارات العربية وسياسة الانفتاح الاقتصادي.
إسرائيل.. فاتورة اقتصادية ممتدة
في المقابل، تعرض الاقتصاد الإسرائيلي لصدمة قوية بعد حرب أكتوبر، مع ارتفاع الإنفاق الدفاعي وتزايد واردات السلاح وتدهور الحساب الخارجي.
ووفق بيانات بنك إسرائيل، بلغ عجز السلع والخدمات نحو 3.408 مليار دولار عام 1974، أي ثلاثة أمثال مستواه عام 1972، بينما ارتفعت الواردات الدفاعية المباشرة إلى نحو 1.152 مليار دولار بنهاية 1974.
كما ارتفعت أسعار الواردات بنحو 85% بنهاية 1974 مقارنة بمتوسط عام 1972، متأثرة بارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأولية، بينما ارتفعت أسعار المستهلك بنحو 56.2% بين نهاية عامي 1973 و1974.
الدعم الأمريكي يخفف الصدمة
ساهم الدعم الأمريكي في تخفيف جانب كبير من الضغوط التي واجهها الاقتصاد الإسرائيلي، إذ أقر الكونجرس الأمريكي في ديسمبر 1973 مساعدات طارئة بقيمة 2.2 مليار دولار، منها 1.5 مليار دولار منحة عسكرية و700 مليون دولار قرض.
وساعدت هذه المساعدات في تمويل إعادة التسليح وتقليل الضغط على الموارد والاحتياطيات الإسرائيلية، لكنها لم تلغِ التكلفة الاقتصادية للحرب.
كما امتدت تداعيات أكتوبر إلى الاقتصاد العالمي، مع استخدام الدول العربية المنتجة للنفط سلاح الطاقة، لترتفع أسعار النفط من نحو 2.90 دولار للبرميل قبل الحظر إلى 11.65 دولار في يناير 1974.
أكتوبر.. تغيير المعادلة الاقتصادية
ويخلص التحليل إلى أن المكسب الاقتصادي المصري من حرب أكتوبر لم يكن تحقيق عائد مالي فوري، وإنما إنهاء حالة الاستنزاف وتغيير المعادلة الاستراتيجية التي كانت تقيد الاقتصاد المصري، وفتح الطريق أمام استعادة الأرض والموارد وإعادة بناء الاقتصاد.
وفي المقابل، تحمل الاقتصاد الإسرائيلي ارتفاعًا حادًا في الإنفاق العسكري والواردات والعجز والتضخم، قبل أن يساهم الدعم الأمريكي في امتصاص جانب من هذه الصدمة.
وتؤكد تجربة أكتوبر أن السيادة لا تمثل هدفًا سياسيًا فقط، وإنما تمثل أيضًا قاعدة اقتصادية تتيح للدولة استعادة مواردها وتوجيهها نحو التنمية والإنتاج والاستثمار.